السيد محمد تقي المدرسي

334

من هدى القرآن

استخدم السياق القرآني هذين الأسلوبين كما سوف نرى . والآية تدعو إلى وحدة الأمة الإسلامية ، أما ما نراه اليوم من تعدد الدول الإسلامية وتعدد الأنظمة الحاكمة فيها فهو خلاف المنهج القرآني القويم وهو السر في تخلفنا وشقائنا . [ 93 ] وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ بدل أن يقول القرآن : [ وتقطعوا رسالاتهم ] قال : وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ ، لعلَّه لكي يوضِّح بأنه حتى ولو اختلف الناس في الدين ، فإنَّ الدين لا يختلف لأنه واحد ، وعندما يتقطع الناس أمرهم ، ويختلفون في الرسالات والرسل ، انطلاقاً من أهوائهم ومصالحهم المادية في الدنيا ، فهذا سيضعهم أمام مسؤولية خطيرة بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ الجميع يعودون إلينا ، ولكن لا نقيسهم بأمرهم ، إنما نقيسهم بأمرنا ( أي برسالاتنا ) ورسالاتنا واحدة ، وحكمنا واحد . [ 94 ] وحينما يقول الإنسان : أنا مسلم ، نسأله أولًا : ما هو عملك ؟ ، أو يقول : أنا أنتمي إلى السيد المسيح عليه السلام ، نقول له : المسيح يجازى بعمله وأنت تجازى بعملك وحدك . فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ اعمل أي شيء من الصالحات قليلًا كان أو كثيراً فإنك ستراه وستشكر على سعيك وتعطى عليه الجزاء المناسب ، إن كنت مؤمناً . وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ما دام القلم بيد الله ، والسجل بيده ، فهو لا ينسى عملك ، فلا تقل : إن هذا العمل لا أحد يعلم به ، فما الفائدة من القيام به ؟ ، ونجد في كلمة مِنْ الصَّالِحَاتِ إشارة إلى أن على الإنسان أن لا يستصغر أي عمل يكون فيه خير ، لأن أعمال الخير الصغيرة عندما تتجمع فإنها ستكون أعمالًا عظيمة ، يظهر أثرها في المجتمع على المدى القريب أو البعيد . دع هذا الإحساس ينمو عندك : بأن الله يراقبك ويسجل كل كبيرة وصغيرة من أعمالك الحسنة ، آنئذ تندفع إلى العمل بروح عالية وأمل مشرق . [ 95 ] وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ إن تلك القرى ( أي الأمم والمجتمعات التي يدمرها الله بالاستئصال بسبب كفرها وأعمالها المنحرفة ) لن تعود إلى الحياة الدنيوية أبداً ، وهذا ما يؤيده حديث منقول عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام حول القيامة الصغرى « 1 » ، وهذا نظير قوله تعالى بالنسبة للأفراد : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ

--> ( 1 ) راجع تفسير نور الثقلين : ج 3 ص 460 .